تعامل النبي (ص)مع زوجاته في الجانب الإنساني
من مظاهر الخيرية عند رسول الله حسن تعامله مع زوجاته في جانبه الإنساني ويتضح ذلك من خلال الأمثلة الآتية:
أولًا: دخوله عليهن ومؤانسته لهن:
وكان له نظام في الدخول والخروج عليهن يعرفنه جميعًا: وكان يطوف عليهن كل صباح فيسلم عليهن ويدعو لهن.
عن ابن عباس قال : «وكان رسول الله إذا صلى الصبح جلس في مصلاه، وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس ،ثم يدخل على نسائه امراة امرأة يسلم عليهن ، ويدعو لهن ، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها»( ).
وكان إذا إنصرف من العصر دخل عليهن أيضًا، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن...»( ).
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: «ويمكن الجمع بأن الذي كان يقع أول النهار سلامًا ودعاءً محضًا والذي في آخره معه جلوس واستئناس ومحادثة»( ).
ثم يلقاهن مجتمعات كل ليلة فيؤنسهن:
عن أنس قال: كان للنبي تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع، هكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها...»( ).
ويشار هنا إلى أن هذا النظام الذي سار عليه رسول الله لم يتركه، وكان يطبق حتى أيام زواجه: عن أنس قال: بُني على النبي بزينب ابنة جحش بخبز ولحم...وفيه: فخرج النبي فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: «السلام عليكم آل البيت ورحمة الله»، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك، فتقرَّى - أي تتبع - حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة( ).
وقد كان عليه الصلاة والسلام يعدل بين نسائه، ولم يكن يفضل واحدة منهن على غيرها فيما يملك العدل فيه ومن ذلك:
1- القسم العادل في البيت:
عن عائشة رضي الله عنها قالت لعروة: يا ابن أختي، كان رسول الله لا يُفضَّلُ بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قلَّ يومٌ إلا وهويطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي
هو يومها فيبيت عندها( ).
2- القرعة بينهن إذا أراد سفرًا:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة ينت زمعة وهبت يومها لعائشة( ).
وأختم هذه الفقرة بشهادة إحدى زوجاته - وهي السيدة عائشة - له بحسن تعامله معهن، ورفقه بهن، وضحكه وتبسمه لهن.
سُئِلت عائشةُ رضي الله عنها عن خلق رسول الله إذا خلا بنسائه، فقالت: كان كالرجل من رجالكم، إلا أنه أكرم الناس، وأحسن الناس خلقًا، وألين الناس في قومه، وأكرمهم، ضحَّاكًا بسامًا( ).
ثانيًا: تصريحه بحب أهله:
ومن مظاهر الخيرية في الحياة الزوجية للنبي في جانبها الإنساني أنه كان يحب أهله ويصرح بذلك:
وقبل أن أبدأ بالحديث عن هذه الصفة أود أن أشير إلى آية كريمة في كتاب الله تتحدث عن العلاقة التي يجب أن تسود بين الزوجين، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
إذن فليس بغريب على رسول الله أن يتحدث عن هذه المودة، وهناك شواهد متعددة تدل على ما نحن فيه بصدد الحديث عنه:
عن عائشة رضي الله عنها قالت( ): ما غِرْتُ على أحد من نساء النبي ما غِرْتُ على خدبجة وما رأيتها، ولكن كان النبي يكثر ذكرها - وفي رواية ( ): لكثرة ذكره إياها، وثنائه عليها - وربما ذبح الشاة ثم يُقطِّعها أعضاءً، ثم يبعثها في صدائق( ) خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة! فيقول: «إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد».
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: استأذنت هالة بنت خويلد، أخت خديجة، على رسول الله ، فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: «اللهم هالة». قالت: فغرت، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين( )، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرًا منها» ( ).
وفي رواية أحمد: «ما أبدلني الله عز وجل خيرًا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء» ( ).
ولم يمنعه حبه لعائشة أن يصرح فضل خديجة، ومكانها في قلبه، ولو في ذلك الموقف الذي ظهرت فيه غيرتُها، بل لم يكتم حبه لها، وقد مضى على وفاتها أكثر من خمس سنين! فقال لعائشة: «إني قد رزقت حبَّها»( ). فما أعظم وفاءه، وما أرحب قلبه، وما أصدق لسانه، وما أصرح وأفصح تعبيره .
إن رسول الله لا يجد غضاضة في أن يحب زوجه، وأن يصارحها بذلك معبرًا عن عاطفة خيرة، ويكتم كثيرون سواه عواطفهم تجاه أزواجهم لئلا يُخَدش كبرياؤُهم، أو يقل احترامهم فيما يحسبون وهم مخطئون( )، فقد جاء في الصحيح عن عمرو بن العاص أنه قال لرسول الله : أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: «عائشة» ( ).
وقد يتبادر إلى الذهن سؤال وهو: ما السر في اختصاص عائشة رضي الله عنها بهذا الحب الكبير؟ والجواب: أن ظهور النبوة في الأرض أمر نادر، لا سيما
وأن النبي عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء، ومن ثمَّ فقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام في السيدة عائشة مزايا كثيرة تؤهلها للقيادة العلمية في أمور النساء وشؤونهن، وأن تحمل عنه ما يتعلق بذلك من أحكام، ولهذا فقد أحبها ذلك الحب، وخصها بهذا الاختصاص، وفضلها على سائر نسائه.
*****
ثالثًا: وفاؤه بحقوق المعاشرة الزوجية الخاصة:
ومن مظاهر الخيرية في الحياة الزوجية للنبي في جانبها الإنساني وفاؤه بحقوق المعاشرة الزوجية الخاصة.
وبادئ ذي بَدْء لا بد أن أُقرِّر بأن الإسلام شرع المباشرة الزوجية للاستمتاع الطيب، وأباح ممارستها في عامة الظروف والأحوال، وجعل مجالات الحظر محدودة للغاية، وذلك في فترة الحج عندما كل من الزوجين في حالة الإحرام، وفيما إذا كان كل من الزوجين، أو أحدهما صائمًا.
وفيما إذا كانت المرأة في حالتي الحيض والنفس، وأعني المباشرة المحظورة هنا الجماع، بل إن الحق تبارك وتعالى قد قرر بأن حب الشهوات من النساء متع الحياة فقال: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14].وقد أكد النبي هذا المعنى عندما قال: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» ( ).
وإذا كانت المرأة من أفضل متع الحياة فلا غرابة أن نجدها من الأمور التي حببت إلى النبي ، وهو أمر يتفق مع الفطرة السليمة، ويتجاوب مع الإنسانية الكاملة التي مثلها رسول الله .
عن أنس قال: قال رسول الله : «حُبِبِ إليَّ من دنياكم: النساء
والطِّيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» ( ).
إن النبي عليه الصلاة والسلام يريد بهذا التوجيه أن يصرف أمته عن الرهبنة التي شاعت في أوساط المتدينين في الديانات الأخرى، وعن العادات والأفكار التي ألفوها وهي بعيدة كل البعد عن المنطق السليم، والفطرة المستقيمة.
ولقد أراد الصحابي الجليل عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله ( ). وقال له: «إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة» ( ).
ولهذا فالزواج من سنته وقد نعى على بعض أصحابه عندما أراد ألا يتزوج النساء، فقال: «... أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» ( ).
وفي هذا الإطار نفهم قوله عندما أراد قال: «وفي بُضع أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ» ( ).
فقد عدَّ النبي الجماع عبادة من العبادات التي يُؤجَرُ فاعلُها، وأنَّ من قصَّر فيها فقد قصَّر في أداء الحقوق المترتبة عليه، يدل على ذلك قوله : «وإن لزوجك عليك حقًّا... » ( ).
ولم يكتف النبي بتقريره حقًّا، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما عدَّ المرأة الصالحة من السعادة، وبذلك أصبح مفهوم السعادة عند النبي ليس محصورًا في اللذات المعنوية كما هو مذهب الفلاسفة، وإنما يشمل اللذائذ الحسية ،والمعنوية معاً، يقول عليه الصلاة والسلام: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء.... »( ).
ولا بأس أن أذكر نماذج من الحياة الزوجية الخاصة عند النبي رسول الله : وهي بمثابة الجانب التطبيقي لما قررته آنفًا من مفاهيم حول المعاشرة الزوجية، وهي بحد ذاتها كافية ليطَّلع المسلم على هديه في مثل هذا الموضوع الحساس، ومن ثمَّ يتابع الطريق بمفرده ضمن الإطار الذي رسمه النبي عليه الصلاة والسلام له.
1- وفاؤه بحق المرأة من المباشرة:
يدل على ذلك ما جاء عن أنس بن مالك : «أن نبي الله كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذٍ تسع نسوة»( ).
